الغوص داخل عقليتك!

في كتاب Mindset، تتحدث المؤلفة والبروفسورة في جامعة ستانفورد كارول دويك انها عندما كانت باحثة شابة، كانت مهتمة بشكل كبير بكيفة تعامل الناس مع الفشل حين يواجههم مما دعاها الى دراسة ذلك عن قرب، فقررت شراء مجموعة من العاب الالغاز لطلاب صغار في مرحلتهم الابتدائية لترى كيف يتعاملون معها.

عندما بدأ الاطفال باللعب وبدأت الالغاز تزداد صعوبة، قام بعضهم بالتصرف بطريقة ايجابية مفاجئة، حيث قام أحدهم بشد شعر رأسة وصرخ بأعلى صوته “أحب التحدي”، بينما قام الطفل الآخر بالتعبير عن انه كان يأمل ان يكون هناك ارشادات أكثر مع اللغز المعطى ليتمكن من حله!تقول الكاتبة عندما رأيت هذا الموقف، ادركت ان الاطفال يعرفون شيء لا اعرفه، هم يدركون ان الصفات الانسانية كالمهارات الذهنية يمكن للشخص ان يكتسبها من خلال الجهد، وهذا ما كانوا بالضبط يقومون بعمله.. يزدادون ذكاءاً! ليس هذا فحسب، بل انهم عندما لم يستطيعوا حل اللغز لم يحبطوا من الفشل .. لأنهم ببساطة لم يعتقدوا انهم كانو يفشلون وقتها!

تقول كارول انني انا ، الامرأة البالغة، في المقابل اكتشفت ان ماكنت اؤمن به في السابق ان قدرات الشخص الذهنية محفورة كالصخر و ان الشخص اما ان يكون ذكي او لا لم يكن دقيق اطلاقاً.

ماذا يعني ذلك؟

يعني ان العقلية التي يختار الشخص ان يعيش بها قد تؤثر على حياته بأكملها، حيث تعتقد الكاتبة ان البشر بمختلف اعمارهم عندما يتعاملون مع الفشل فأنهم عاداتاً ما يحملون نوعيتين من العقليات،

وهما العقلية الصلبة “Fixed mindset” والعقلية المرنة “Growth mindset”.

اصحاب العقلية الصلبة يؤمنون ايماناً تاماً ان الموهبة والذكاء هي اشياء تولد مع الانسان، وبالتالي هي من تقودة إلى النجاح. يعتقد اصحاب هذه العقلية ان اختبارات كأختبار IQ هي مؤشرات لا يمكن الجدال فيها لتحديد مستوى ذكاء الشخص. يميل اصحاب العقلية الصلبة عادتاً إلى الهروب من اي تحدي لخوفهم الدائم من وقوع الفشل. هم يعتقدون ان الفشل لا يرتبط بالعمل الذي تم تقديمه، بل بهم شحصياً وبقدراتهم الذهنية. ولذلك هم لا يمانعون قضاء ساعات من الجدال الفارغ لأثبات كم هم يملكون من معلومات اكثر من قضاء ساعات في بذل الجهد المطلوب للتعلم! فنجد انهم عندما يتم انتقادهم انتقاداً بناءا فأنهم دائماً ما يأخذون الامور بشكل شخصي اكثر من التفكير بكيفية تطوير العمل.

في المقابل، يميل اصحاب العقلية المرنةإلى الاعتقاد ان اي قدرة يمكن تعلمها إذا بذل الانسان المجهود المناسب والوقت الكافي في الممارسة، الامر الذي يولد لديهم حب للتعلم املاً في ان يصبحوا بارعين في شيء ما يوماً ما. اصحاب العقلية المرنة يؤمنون ان العقل مثله مثل اي عضله اخرى، تتطور بالتمرين المستمر خطوة بخطوة. هم لا يخشون الفشل، لأنهم يدركون تماماً انه جزء من عملية التعلم وان المحاولة التي يبذل الشخص بها قصارى جهده سيتم تقديرها في النهاية. وبالتالي، لماذا يقومون بتضييع وقتهم والتظاهر بأنهم اذكياء بدلاً من ان يبذلوا المجهود المطلوب ويستفسروا عن تلك الامور التي لا يعلمونها فيزدادون معرفة وخبرة!

اختيار العيش بأحدى العقليتين له الاثر البالغ على حياة الشخص بأكملها وكيف يرى الامور وكيف تنعكس داخلياً عليه، اصحاب العقلية الصلبة قد يصل بهم الحال إلى ان يجعلوا اختباراً واحداً يحدد مصيرهم ويحكم على مستوى ذكائهم، مثال ذلك هو ما حدث لطالبة تدعى لوريتا وتحديداً في اختبار قامت بأخذه قبل عشرون عاماً، عندما كانت فقط تبلغ الخامسة من العمر. كانت قد انتقلت مع عائلتها إلى الولايات المتحدة، وبمجرد وصولها، اخذتها أُمها إلى روضة الأطفال من اجل عمل اختبار تحديد مستوى لها. بعد ذلك، وجدت لوريتا نفسها في فصل غير فصل “النسور”، وهو اللقب الذي كان يطلق على فصل الطلاب المتفوقون في تلك المدرسة. مع مرور الأيام والسنوات، انتقلت إلى ذلك الفصل وبقيت مع نفس المجموعة حتى انتهائها من المرحلة الثانوية، حاصدتاً عدداً من جوائز التميز الأكاديمية. لكن رغم ذلك مازالت لوريتا إلى يومنا الحاضر تعتقد انها ليست جزءاً من تلك المجموعة، او ليست “نسراً” حقيقياً. كل هذا لأنها تعتقد انها لو كانت كذلك لما فشلت في اختبار تحديد المستوى الذي أخذته قبل عشرون عاماً!

انظر إلى الاشخاص في محيطك اليوم ولاحظ كم منهم يشبه لوريتا؟

ربما ليس نفس السيناريو، ولكن نفس الطريقة التي يتحدثون بها إلى انفسهم!

فكم منا لم يبذل المجهود الكافي للدخول إلى الجامعة او الكلية التي كان يطمح لها وظل اخفاقة سوطاً يجلد به نفسه كل يوم، ونسي تماماً بشأن المستقبل وفرص التعويض التي قد تمر به ولا يستغلها بسبب عقليته الصلبة!

حسناً، ربما السؤال هنا هو هل يتطور اصحاب العقلية الصلبة؟ ومتى فعلياً يحدث ذلك؟

والجواب هو نعم .. اصحاب العقلية الصلبة يتطورون وتزداد مهاراتهم عندما تأتي إليهم مصادر التعلم في منطقة الراحة الخاصة بهم، وفي اللحظة التي يشعرون فيها ان الأمور بدأت تتحول إلى تحدي حقيقي، او في تلك اللحظات التي يشعرون معها انهم غير موهوبين او اذكياء في عمل ذلك الشيء، فأنهم يتوقفون تماماً ويفقدون اهتمامهم! وهذا عائد إلى المحفز الرئيسي الذي جعلهم يتطورون ويختارون ان يحققوا النجاحات في المقام الاول وهو فقط لأثبات كم هم اذكياء وموهوبين.

 في هذه اللحظة، لابد ان يكون السؤال في ذهنك هو التالي:

لماذا يصر اصحاب العقلية الصلبة على اثبات كم هم اذكياء اذا كانو يؤمنون ان قدراتهم محفورة وليس لديهم القدرة على التطور؟

في الاساطير، يقوم الامير بقتل التنين لأثبات مدى شجاعته ليتزوج الاميرة ويعيش بعدها بثبات ونبات. خلاف مايحدث مع اصحاب العقلية الصلبة، الامير ليس مضطراً إلى ذبح تنين جديد كل يوم لأثبات مدى شجاعته!

وهو عكس مايحدث مع اصحاب العقلية الصلبة الذين دائماً مايكونوا في سباق محموم لأثبات كم هم اذكياء، وكلما قاموا بأثبات ذلك، يأتي تحدي اصعب مما قبلة ليعاودوا المحاولة مرة اخرى.  المشكلة في هذا النوع من العقليات تكمن عندما يكون هدف التعلم الوحيد هو اثبات مستوى الذكاء! ليس هذا فحسب، بل المصيبة في هذا السباق المحموم تحصل عندما يقتنع اصحاب هذه العقلية ان نجاحات الآخرين تشكل تهديد لهم! بينما كان من الاولى ان يقارونو بين مستوى تطورهم الشخصي وكيف اصبحوا افضل مما كانوا عليه، لا بالآخرين!

بينما في الجانب الآخر، نجد ان اصحاب العقلية المرنة تلهمهم نجاحات الآخرين ويرون انها بيئة خصبة للتعلم منهم.

مشكلة اصحاب العقلية الصلبة ليست في عدم الثقة بالضرورة، فقد يمتلكون من الثقة مايوزاري اصحاب العقلية المرنة قبل خوض اي تحدي. ولكن ثقتهم قد تتحول الى ثقة هشه مع كل تحدي يواجههم اما بسبب مايحدثون به انفسهم او بسبب مايتم اخبارهم به. مثال ذلك هو دراسة اجراها الدكتورجوزيف مارتوشيو على مجموعة من الموظفين في دورة تدريبية لتعلم العمل على الكمبيوتر، حيث قام بتقسيمهم إلى مجموعتين. اخبر المجموعة الاولى ان تعلم العمل على الكمبيوتر لا يمكن ان يحدث الا من خلال الممارسة، بينما اخبر المجموعة الاخرى ان تعلم ذلك يحتاج للموهبة ولقدرات ذهنية معينة. وكما هو متوقع، كانت المجموعة التي قيل لها ان التعلم يحدث بالممارسة هي من تعلمت في النهاية، وهذا عائد إلى ان الموظفين في تلك المجموعة لم يخشوا ان يخطئوا لأنهم ادركوا ان الخطأ جزء من عملية التعلم بالممارسة. بينما على الطرف الآخر، موظفي المجموعة الاخرى توقفوا عند اول مشكلة واجهتهم لأنهم وللأسف ظنو ان قدراتهم الذهنية لم تؤهلهم للتعلم!

 الاشخاص قد تختلف عقلياتهم من موقف لموقف .. فقد تجد من عقليتة صلبة اجتماعياً ومرنة دراسياً على سبيل المثال. بل ان بعض الكتب التعليمية قد تحاول ان تغير عقليتك إلى عقلية مرنه مع كل تمرين تقوم بحله لضمان استفادتك الكاملة مما تعلمته، هذا يحدث عن طريق وضع عبارة (بعد حل هذا التمرين ستتعلم الشيء الفلاني) وبالتالي، يعطى الشخص الحافز لبدء التمرين مع نية التعلم عندما يشهد النتيجة بعينة التي سيحصل عليها عند حل تمرين او قراءة مقالة ما!

ختاماً، بغض النظر عن اختيار العيش بأحد هذه العقليات، فإنه من المهم ان تكون معلومة لدينا على الاقل. وذلك لأنها وسيلة فعالة لضبط ذواتنا عندما نفكر بأحداها، فكم يضيع الشخص من فرصه للتعلم بسبب انه وفي لحظة وموقف ما كان قد فكر بعقلية صلبة! ولم يدرك للأسف انها هذا ليس لعدم قدرته ولكن لأنه لم يقرر ان يفكر بعقلية مرنه في وقتها.

29 يوليو 2018/ باريس

نُشر بواسطة عبدالملك

محاضر، حاصل على درجة الماجستير في علوم الحاسب من جامعة George Washington

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: