لماذا نكره؟

في أي مجتمع كان، ولو كان لا يعاني من العنصرية، فأنه لابد وأنك قد سمعت قصصاً من أحدهم متحدثاً عن مجموعة معينة من الاشخاص ولماذا يستحقون ان نكرههم. يتم تعزيز هذه القصص في كثير من الأحيان عن طريق أمثلة متطرفة من شأنها ان تتسبب في استفزاز وتغيير موقف حتى أكثر العقلاء انصافاً.

في نفس الوقت، يكمن خلف هذه القصص أنماطًاً من شأنها ان تلقي بعض الضوء على الأسباب التي تجعلنا نكره. وعلى الرغم من ضخامة هذا التساؤل، الا ان هناك بعض النقاط التي تبرز أكثر من غيرها كأسباب تدعو الأشخاص لاختيار الكره.

 

الكره ليست هي المفردة المضادة للحب

عندما لا نحب، ليس شرطاً ان نكره. يقول المفكر والبرفسور ايلي فيزال” عكس الحب ليس الكره، وانما عدم المبالاة”. وهذا ما يتناقض مع كثير من قرارات البعض حينما لا يحوز الآخرين على اهتمامهم او اعجباهم، فيتخذون قرار ان يكرهوهم!

 

الكره يسهل عملية التعامل مع كل ما هو مختلف عنا

الكره أداة سهله للتعامل مع مهمة صعبه مثل مهمة فهم وإدارة مشاعرنا تجاه من يختلفون عنا في اللغة، الدين، او العرق. هذا الكره الذي يتم اختياره بدلاً من تقبل اختلاف الآخر قد يصل لمرحلة متطرفة يشعر الانسان بها ان اختلاف الآخر عنه يهدد هويته الشخصية او هوية جماعته او قبيلته او حتى دينه، فيتحول الفخر والاعتزاز بالهوية إلى عنف قد يصل لمراحل لا تحمد عقباها!

اختيار الكره هو أسهل ما يمكن عملة عندما نختلف مع أحدهم، حيث انها مهمة أقصر وأقل تعقيداً من ان نواجه أنفسنا ونقيم الموقف ونفهم سر مشاعرنا الغريبة تجاه شخص او قضية ما. بل انه حتى على مستوى الجماعات في أوقات الازمات فأنها دائماً ما تتجه إلى اختيار الكره كأسهل واسرع طريقه للتعبير عن استيائها، يتم ذلك عن طريق القاء اللوم على شخص معين في المجموعة ليتم اقصائه منها لحل الخلاف كما في نظرية “كبش الفداء” للمفكر ريني جيرارد.

الكره وسيلة للتنفيس

يتحول الكره في بعض الأحيان إلى وسيلة جيدة للتنفيس عند البعض، حيث يختار من يشعرون بشعور سيئ ان يجعلون الاشخاص يشعرون بشعور اسوء منهم ليرتاحون بهذه الطريقة! فتجد انه اذا كان يمر بأوقات عصيبة او أزمات نفسية فهو لا يكتفي بالتنكيد عليك فقط، بل يتطور الموضوع إلى محاولاته ان يزعزع قناعاتك وثقتك بقدراك ومقدرتك على تحقيق احلامك!

ابسط مثال على ذلك التغريدات المسيئة على تويتر او التعليقات الجارحة على اليوتيوب. مالذي يجعل اشخاص لايعرفون اي شيء عن صاحب التغريدة او المقطع ان يقوموا بالتهجم عليه شخصياً؟

من اجل الجواب على هذا السؤال قام شخص يتلقى الكثير من التعليقات المسيئة يدعى ديلين مرين بأنشاء بودكاست تحت عنوان ” محادثات مع اشخاص يكرهونني” يقوم فيه بأجراء حوار مطول مع الاشخاص الذين يقومون بأرسال تعليقات مسيئة جداً له ويحاول فهم الاسباب التي دعتهم لفعل ذلك!

مشكلة التعليقات المسيئة في العموم ان الاشخاص المؤيدين المدافعين عن صاحب الشأن هم من يساهمون في كسب الشخص المتهجم على بقعة الضوء التي يريدها وليس الاشخاص المعارضين!

الكره قد يكون هو نتيجة رفع التوقعات بالناس

تخيل أنّك قمت بأستئجار شقه من مالكها مقابل 25 الف ريال سنوياً، في نفس الوقت اخبرك المالك انه و من المحتمل وغير المؤكّد أن يزيد الإيجار بعد سنة الفين ريال وقمت بالموافقه على شرطه، وبالفعل، هاتفك بعد سنة قائلًا بأنّه سيرفع الإيجار كما اتّفقتما، فلن تشعر غالبًا بالامتعاض مما حدث.

لكن تخيل أنّك استأجرت نفس الشقه بنفس الإيجار، ولكنّ المالك لم يخبرك بأي شرط مشابه، وبعد سنة اتّصل وأخبرك بأنّه سيرفع الإيجار، لا شكّ هنا في أنّك ستشعر بغضب شديد مما حدث، والغريب هنا هو أنّ أحوالك المالية لم تختلف في المثالين، ولكنّ مشاعرك انقلبت تمامًا.

نفس الشيء يحدث عندما نقوم برفع توقعاتنا بالأشخاص ويقومون بالأرتقاء لمستوى التوقعات فلن يحدث اي تغيير على مستوى المشاعر هنا، فنحن توقعنا شيء وحدث في نهاية الامر وهذا لأن المشاعر لا تنشأ بسبب المواقف التي نتعرض لها، بل بسبب أنّنا لم نتوقّعها. الكره على نفس المنوال يحدث نتيجة رفع التوقعات بالأشخاص وليس العكس!

في النهاية، مهما تنوعت الاسباب والاشكال، نحن جميعاً نكره. وفي كثير من الاحيان لا يكون هذا الكره قادماً منا شخصياً بقدر ماهو قادم من الثقافة التي شكلتنا لنكون مانحن عليه. ولكن الخبر الجيد اننا نحن من نقوم بتشكيل هذه الثقافة ونحن من يجب ان نقوم بتحدي بعض الافكار والمفاهيم الراسخة في مجتماعتنا، ومن المؤكد ان هذا لن يحدث بين يوم وليلة.

الحكومات يجب ان تقوم بتطوير سياسات وانظمة تربطنا بمن هو مختلف عنا وعن مجتماعاتنا. الدراسات اليوم تثبت ان المراهقين الذين يدرسون في مدارس طلبتها مختلفين الاعراق يقل تحيزهم الاجتماعي لجماعتهم ويقل كرههم للأطراف الاخرى.

 

المصادر:

Why we hate others

?ted radio hour | why we hate

?what we can do about the culture of hate

في المشاعر خطر، وفي الخطر متعة

4 يناير 2019 / الرياض

 

نُشر بواسطة عبدالملك

محاضر، حاصل على درجة الماجستير في علوم الحاسب من جامعة George Washington

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: